top of page
kees-kortmulder-119965-unsplash.jpg

تاريخ المدرسة القادرية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المدرسة القادرية في بغداد منارة العلم وراية التربية، ففي بداية القرن السادس الهجري، وفي معترك صراع فكري كبير وانفجار ثورة علمية كبرى، أسس القاضي أبو سعيد المخرمي – الذي كان قاضياً في بغداد في باب الأزج – مدرسةً علميةً تكون محط أنظار الطالبين ومصدر شعاع السالكين، وقام القاضي المخرمي برعاية المدرسة والتدريس والتعليم والتربية فيها حتى نسبت إليه وصارت تعرف باسم المدرسة المخرمية.

وبعد وفاة القاضي المخرمي أوكلت المدرسة إلى العلامة الفقيه الزاهد العارف بالله قطب رحى العارفين السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني الحسني من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام بالتدريس والتعليم فيها، وكان يقرن العلم بالأدب والتقوى والسلوك، حتى ذاع صيت المدرسة، وقصدها الطلاب من كل حدب وصوب، وضاق المكان بأعداد الطلبة الوافدين، فخرج الشيخ الإمام عبد القادر الكيلاني للتدريس خارج المدرسة عند سور بغداد ليكون المكان متسعاً للطلبة والتلاميذ.

وكان التدريس فيها يشتمل على علوم الدين من التفسير والقراءات والحديث الشريف والفقه والأصول والاعتقاد والسلوك وعلوم اللغة، بالإضافة إلى الوعظ والتربية وإصلاح ذات البين، واستمر الأمر على ذلك قرابة أربعين سنة، حتى وفاة الإمام الزاهد العارف الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني، وصارت المدرسة تنسب إليه بعد أن كانت منسوبة للقاضي المخرمي، وقد تخرج في هذه المدة أعلام العلم والتربية في تاريخ الإسلام، ومنهم:

أولاده السيد عبد الرزاق، والسيد عبد العزيز، والسيد صالح، وبقية أولاده، ومنهم الإمام الفقيه ابن قدامة المقدسي شيخ الحنابلة، ومنهم المحدث الكبير الشيخ عبد الغني المقدسي، وعمر بن علي القرشي، والباجسرائي، وصلاح الدين الأيوبي، والقبيطي، وغيرهم من أئمة الدين والعلم والتربية والدعوة.

ولم ينقطع خير هذه المدرسة بعد وفاة شيخها الكيلاني، بل أوكل التدريس فيها إلى ولده السيد عبد الوهاب المعروف بـ(ابن القدوة)، فقام بالأمر خير قيام، ثم أوكل التدريس بعده إلى السيد عبد السلام الركن، وهكذا صار يرث التدريس فيها كابر عن كابر من أولاد وأحفاد القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني، حتى سقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية.

وفي عام ٩٤١هـ أمر السلطان سليمان القانوني بإعادة المسجد والمدرسة، وعمرها ووسع فيها، وبنى أروقة لطلبة العلم والوافدين، وصارت مدرسة تضم المذاهب الفقهية الإسلامية، ويقصدها طلبة الفقه على اختلاف مذاهبهم، كل يجد بغيته ومطلبه في هذه المدرسة التي غدت نبراساً في سماء العالم الإسلامي.

واستمرت هذه المدرسة المعطاء على مدى القرون المتطاولة من عمر أمة الإسلام، وقد جلس فيها العلماء والشعراء والأدباء والمفتون؛ كالإمام العلامة المفسر أبي الثناء الآلوسي، والإمام العلامة المفتي قاسم القيسي، والإمام العلامة مفتي الديار العراقية الشيخ عبد الكريم المدرس، وألحقت بها مكتبة عملاقة تضم نوادر الكتب والمخطوطات في العلوم كافة.

وفي عام ١٩٧٥ صدر قانون بإلحاق المدرسة القادرية بالمدارس النظامية التابعة لوزارة الأوقاف، فألحقت بالمعهد الديني، وبقيت تنشر العلم والمعرفة على يد كبار علماء الأمة من العراق وخارجه.

كما أعيد تقنينها واستقلالها عن المعهد الديني في قانون عام ١٩٩١، كما توسعت المدارس النظيرة لها في عموم محافظات عراقنا الحبيب، وتلاحقت القوانين على إعطاء الفرص العلمية من الجامعات والدراسات العليا، والفرص الوظيفية في التعيين، حتى آخر قانون في عام ٢٠٢٣، وصار الخريجون فيها لهم الحق في إكمال الدراسة في الجامعات الإسلامية لعلوم الفقه والحديث والتفسير وأصول الدين والقراءات، والعلوم الإنسانية من علوم اللغة والتاريخ والقانون والتربية والدعوة باللغة الإنجليزية.

وطالب العلم يتمتع فيها بسلوك وتربية وتعليم بنظام فريد يعتمد على الوسطية وغرس العقيدة وحب الوطن والناس وخدمة المجتمع، وتكون الدراسة فيها مدة ست سنوات بالنسبة للملتحق فيها بعد التخرج من الابتدائية، وثلاث سنوات بالنسبة للملتحق فيها بعد التخرج من المتوسطة، ويتحمل ديوان الوقف السني المتمثل بدائرة التعليم الديني والدراسات الإسلامية تكاليف الدراسة والكتب، مع إعانات للطلبة المتعففين وقسم داخلي بالنسبة للطلبة البعيدين.

وها هي اليوم تشرع أبوابها لقبول أبنائها الطلبة المتخرجين من المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ونحن ندعو أولياء الأمور أن يحافظوا على أولادهم من الهجمات المجتمعية والأخلاقية والسلوكية التي تعصف بمجتمعاتنا لتضرب أسس ديننا وأخلاقنا وتدمير شبابنا وثقافتنا، والمدرسة القادرية وأضرابها من المدارس الدينية هي سفينة نجاة الجيل من أمواج الفتن، فهيا لنتعاون مع أولياء الأمور لإعداد جيل قرآني يحب الله ورسوله ويعتز بدينه ووطنيته ومجتمعه وأهله وأبناء بلده.

Footer4.jpg
bottom of page